ابن عجيبة

213

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

بين التهليل والتكبير والشكر ، امتثالا لقوله : وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ على ما أوليناكم من سابغ الإنعام ، وسهّلنا عليكم في شأن الصيام . الإشارة : كتب عليكم الصيام عن الحظوظ والشهوات ، كما كتب على من سلك الطريق قبلكم من العارفين الثقات ، في أيام المجاهدة والرياضات ، حتى تنزلوا بساحة حضرة المشاهدات ، لعلكم تتقون شهود الكائنات ، ويكشف لكم عن أسرار الذات ، فمن كان فيما سلف من أيام عمره مريضا بحب الهوى ، أو على سفر في طلب الدنيا ، فليبادر إلى تلافى ما ضاع في أيام أخر ، وعلى الأقوياء الذين يطيقون هذا الصيام ، إطعام الضعفاء من قوت اليقين ومعرفة رب العالمين . فمن تطوع خيرا بإرشاد العباد إلى ما يقوّى يقينهم ، ويرفع هممهم فهو خير له . وأن تدوموا أيها الأقوياء على صومكم عن شهود السّوى ، وعن مخالطة الحس بعد التمكين ، فهو خير لكم وأسلم ، إن كنتم تعلمون ما في مخالطة الحس من تفريق القلب وتوهين الهمم ، إذ في وقت هذا الصيام يتحقق وحي الفهم والإلهام ، وتترادف الأنوار وسواطع العرفان . فمن شهد هذا فليدم على صيامه ، ومن لم يقدر عليه فليبك على نفسه في تضييع أيامه . واعلم أن الصيام على ثلاث درجات : صوم العوام ، وصوم الخواص ، وصوم خواص الخواص . أما صوم العوام : فهو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج ، وما يقوم مقامهما من الفجر إلى الغروب ، مع إرسال الجوارح في الزلّات ، وإهمال القلب في الغفلات . وصاحب هذا الصوم ليس له من صومه إلا الجوع ، لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « من لم يدع قول الزور والعمل به فليس للّه حاجة في أن يدع طعامه وشرابه » . وأما صوم الخواص : فهو إمساك الجوارح كلّها عن الفضول ، وهو كل ما يشغل العبد عن الوصول ، وحاصله : حفظ الجوارح الظاهرة والباطنة عن الاشتغال بما لا يعنى . وأما صوم خواص الخواص : فهو حفظ القلب عن الالتفات لغير الرب ، وحفظ السر عن الوقوف مع الغير ، وحاصله : الإمساك عن شهود السّوى ، وعكوف القلب في حضرة المولى . وصاحب هذا صائم أبدا سرمدا . فأهل الحضرة على الدوام صائمون ، وفي صلاتهم دائمون ، نفعنا اللّه بهم وحشرنا معهم . آمين . ولمّا كان الصيام يرقّق القلب فيحصل به القرب من الحق ، ذكره بإثر الصيام ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 186 ] وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ( 186 )